المقدمة
يُعَدّ الزواج في الفكر الإسلامي ركناً أساسياً لحفظ الدين والمجتمع، ووسيلة لتحقيق السعادة في الدنيا والآخرة.
وقد أولى المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) عناية خاصة ببيان أبعاده الروحية والاجتماعية. فجمع بين النصوص الشرعية والرؤية الواقعية لتيسير الزواج وإزالة العوائق أمام الشباب. ليظهر الزواج لا كمجرّد عقد اجتماعي، بل كمنظومة تربوية وعبادية تبني الأفراد وتصون الأمة.
ونقدم لكم بعض كلمات سماحته (دام ظله) في هذا الصدد:
1- الزواج سنّة نبوية
يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
«ومن السنن التي طالما حثّ عليها النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله قولاً وعملاً وتقريراً هي سنّة الزواج، ولقد واصل الأئمة المعصومون سلام الله عليهم وعلى إثرهم العلماء الأعلام، ومن جملتهم أخي الأكبر أعلى الله درجاته (آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي) التأكيد والحثّ على نشر هذه السنّة الكريمة ذات الدور الكبير والمهمّ جدّاً في حفظ وصيانة المجتمع المسلم من خطر انتشار الموبقات والرذائل».
2- الزواج حاجة طبيعية وروحية
«يعتبر الزواج وانطلاقاً من الحاجة لكلّ رجل وامرأة، مسألة طبيعية تفرضها النشأة التكوينية لكلّ إنسان. إلاّ أنّ تأكيد النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وحثّه على مسألة الزواج لم يكن ناظراً إلى الجانب الغريزي من الزواج فحسب، وإنّما كان سبب تأكيده أرفع من ذلك وأسمى، آخذاً بنظر الاعتبار البعد الروحي والمعنوي الذي ينبغي أن يضفيه الزواج».
3- الزواج عبادة
«ومع أنّ الفقهاء عرّفوا النكاح واعتبروه جزءاً من المعاملات، أي أنّ الرجل والمرأة يمسكان بعقدة النكاح من طرفيها، إلا أنّهم أضافوا إلى التعريف قولهم: بأنّ في النكاح بعداً عباديّاً أيضاً. فكما أنّ الزواج يلبّي حاجة كلا الطرفين، كذلك هو كفيل بتلبية الحاجة الروحية لدى الانسان، فأضفى عليه الشرع حالة عبادية مقدّسة وبعداً معنوياً عظيماً».
4- الثواب في تزويج الشباب
«فلينظر المساهمون في مجال الدعم المباشر أو غير المباشر في تزويج العزّاب… كم أعدّ الله تعالى لهم من الأجر والثواب والمنزلة الرفيعة في الدنيا والآخرة. قال الإمام الصادق سلام الله عليه: (من زوّج أعزباً كان ممّن ينظر الله عزّ وجلّ إليه يوم القيامة)».
5- الزواج مدرسة إعداد
«وعلى أيّة حال؛ فإنّ المؤمنين والمؤمنات مدعوّون جميعاً إلى مطالعة قضايا الزواج… وأنّ الزواج في شرعهم صلوات الله عليهم ليس مجرّد عرض مظاهر وتفاخر وزهو، بقدر ما هو مدرسة كفيلة بإعداد أجيالها نحو دين الله تعالى ومودّة آل بيت الوحي والنبوة».
6- ركنا الزواج
«إنّ للزواج ركنين مهمّين، هما: الإيمان والأخلاق. فعلى الشابّ أن يبحث عن الشابّة التي تتوافر فيها هاتان الصفتان… أمّا الفتاة؛ فلا ينبغي لها أن تهتم أوّلاً بحجم ثروته، إنّما المطلوب منها أن تتأكد من تمتّع خاطبها بصفة الإيمان ومكارم الأخلاق».
«ولا شك أنّ هذين الركنين ـ الإيمان والأخلاق ـ لا ثالث لهما ولا رابع. فلا يظنّن أحد أنّ ثمّة أركاناً أخرى يجب أخذها بعين الاعتبار، كعامل المال أو الجاه… إنّ سعادة الزوجين لا تتحقّق بلذيذ الأطعمة ولا بالسيارات الفاخرة، إنّما السعادة تتحقّق بفضل الانسجام الذي هو وليد الإيمان والأخلاق الحسنة».
7- أصدق الصداق
«يلزم على الرجل أن يبذل شيئاً قلّ أم كثر ويطلق عليه الصداق أو المهر… قال النبيّ صلى الله عليه وآله: (تزوّجها ولو بخاتم من حديد)… وروي أنّ أحد المسلمين جاء إلى النبيّ وهو يفتقر حتى إلى خاتم من حديد، فأمره أن يعلّمها ما يحفظ من آيات القرآن. ورغم أنّ الإسلام لم يضع حداً معيّناً للمهر، ولكنّه أثنى في الوقت نفسه كلّ الثناء على بساطة المهر ثناءه على توخّي العدالة والرحمة من قِبل الزوج على زوجته لدى التعامل والتعايش معها، نظراً لأنّ الهدف الأساسي من الزواج هو تحقيق أهدافه المشروعة في السعادة، وهذه السعادة المرجوّة يستحيل تحقّقها عبر أمور موهومة كما في تعيين مهر كثير أو ما شابه».
8- الأغلال الاجتماعية
«ولكنّ المؤسف أنّ المجتمع المسلم ابتعد بنفسه عن الثقافة القرآنية والنبوية… فراح الآباء والأمّهات يزايدون في وضع الشروط والعقبات بوجه من يتقدّم للزواج من أولادهم، بينما كان بمستطاع كلّ منهم أن يساهم في تحقيق زواج العديد من الشباب الفقراء، عوضاً عن رصد المبالغ الطائلة في هذا المضمار».
9- التسامح في الزواج
«روي أنّ المأمون العباسي عندما أراد تزويج إبنته للإمام الجواد، رضخ لأمره سلام الله عليه رغم هيبة الملك والأجواء المحيطة به وما يخالجها من روح استعلائية، وذلك عندما عزم الإمام سلام الله عليه بألاّ يتجاوز مهر أمّ الفضل بنت المأمون مهر جدّته الصديقة فاطمة الزهراء سلام الله عليها ، ليس لأنه لا يمتلك المال أو لأنّه عاجز عن امتلاكه بقدر ما أراد صلوات الله عليه أن يعيد الى أذهان الأمّة الإسلامية أنّ الدين هو التسامح واليسر بين الناس.».
10- بيت علي وفاطمة قدوة
«أمّا الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه؛ فقد كانت داره متواضعة… وتزوّج فيها بالصدّيقة الزهراء سلام الله عليها، وكانت نتيجة هذا الزواج المبارك ذرية طاهرة… فكان الأئمة المعصومون سلام الله عليهم وأولادهم الأبرار».
11- قدوة الرسول
«أمّا الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله؛ فهو بدوره كانت الثروات الطائلة تدار بين يديه، إلا أنّه لم يكن يملك لنفسه من حطام الدنيا شيئاً… وربّما كان يبيت مع نسائه أياماً بلا طعام سوى الماء. إنّ هذه السنّة النبوية تعدل جبالاً من ذهب، لأنها كفيلة بأن تزيح الفساد عن المجتمع».
12- سياسة الإسلام في تكثير النفوس
«الإسلام عرف نتائج تكثير النفوس، فقرره ووضع له خطوطاً وأُسساً رصينة… حرّض على النكاح والزواج إبان البلوغ… رفع القيود التي وضعت في الزواج، وحبذ اتخاذ النكاح بسيطاً يقدر عليه كل فرد، وحبذ أن يكون المهر قليلاً».
13- جذور الأزمات
«إنّ العامل الأساسي للأزمات والمشاكل الكبيرة اليوم في العالم، ومنها كثرة الطلاق وتعسير الزواج… أمران: الأول الإعلام المكلف بعشرات ومئات المليارات لأهل الباطل والضلالة… الثاني التقصير والتهاون من المؤمنين والمؤمنات».
14- قصة الشيخ علي القمّي
«نُقل أنّ الشيخ علي القمّي عندما أراد الزواج ـ يوم كان شابّاً ـ طلب نوعاً من القماش الفاخر الذي كان الشباب المتأنّق في تلك الأيّام يخيطون منه بذلة الزواج ـ أو لنقل: إنّه كان قماش اليوم ـ وكان هذا القماش يُستورد من الشام. وحيث إنّ طلبة العلوم الدينية كانوا أكثر تواضعاً وبساطة في زيّهم وملبسهم من سائر الشباب، لاعتبارهم قدوة للآخرين، حاول بعض زملاء الشيخ أن يثنيه عن هذا المطلب. ولكنّه كان مصرّاً لدرجة أنّه أجّل زواجه عدة أشهر لأنّ ذلك القماش لم يوجد آنذاك في الأسواق.
وما يثير العجب أكثر أنّ هذا لم يكن حال كلّ الشباب آنذاك فما كان يهتمّ بمثل هذه المظاهر إلاّ المنهمك في الدنيا. ولا نقول: إنّه كان حراماً ولكنّه كان يعبّر عن اهتمام زائد بالدنيا، وربما كان لمّاعاً أو ما أشبه مما لا يناسب طالب العلم الديني، ولذلك كان زملاؤه يحاولون ثنيه، ولكنه كان يجيبهم بالقول: مادام غير محرّم فهو زينة والله تعالى يقول: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ) . وصار يوصي المسافرين إلى المدن الأخرى في العراق ككربلاء والحلّة وبغداد ولكن بحثهم كان دون جدوى، حتى اتّفق أنّ بعض أصدقائه نوى السفر إلى الشام وبعد عودته أتى له بذلك القماش، ثم تزوّج بعد ذلك!
أذكر لكم هذه القصة لتعرفوا أنّ التغيير ممكن، فإنّ هذا الشيخ نفسه بعد أن كان مستوى اهتمامه في شبابه هكذا، تحوّل تحوّلاً عجيباً حتى صار مضرب المثل في الزهد والتقوى في عامّة العراق وإيران رغم وجود العشرات بل المئات من الزهّاد والمتّقين في ذلك الزمان! فلقد سمعت قصصاً عن الشيخ علي القمّي رحمه الله أكتفي هنا بنقل واحدة منها:
يقول والدي رحمه الله: إنّه كان في النجف الأشرف يومذاك تسعون رسالة عملية، وهذا يعني أنّ المجتهدين كانوا بالمئات، لأنّ الذين عندهم رسائل عملية لا يشكّلون في العادة عشرة بالمئة مثلاً من كلّ المجتهدين. فهكذا كان وضع النجف وحوزتها، إذا ما استثنينا مدينة قم وكربلاء ومشهد! ولا أعلم اليوم بوجود تسعين رسالة عملية في العالم الإسلامي كلّه.
يقول الوالد: إنّه بالرغم من وجود العشرات من المراجع في النجف الأشرف في ذلك اليوم، وبالرغم من وجود المئات من أئمّة الجماعة من المتّقين والزهّاد، كان كثير من الناس والعلماء لا يطمئنّون إلاّ بالصلاة خلف الشيخ علي القمّي، لأنّه كان مسلّم العدالة عند الكلّ.
فلو كان بعض الناس يصلّون خلف فلان لكنّهم يستشكلون بالصلاة خلف فلانٍ الآخر، وكان بعض آخر يُصلّي خلف الثاني ويستشكل بالصلاة خلف الأوّل، لكنّهم جميعاً كانوا يتّفقون على عدالة الشيخ علي القمّي ويطمئنّون بالائتمام به. فما أعظم التحوّل الذي حدث في حياة هذا الرجل حتى بلغ هذه الدرجة، بعد أن كان على ما سمعتم في شبابه!».
الخلاصة
الزواج في فكر سماحة المرجع الشيرازي دام ظله هو مشروع إلهي، عبادي، اجتماعي، يهدف إلى بناء الفرد والمجتمع، وحفظ الأمة من الفساد والانحراف، عبر تبسيطه وتيسيره، وربطه بالإيمان والأخلاق، ليكون سبيلاً إلى السعادة في الدنيا والآخرة.
