سُئل سماحة المرجع الديني السيّد صادق الشيرازي (دام ظله) في المطارحةُ العلميّةُ السادسةُ عشرةَ في 16 شهرِ رمضانَ العظيمِ 1444 للهجرةِ:
س: نظراً إلى روايةِ «اَلْفِطْرَةُ واجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مَنْ يَعُولُ» (وسائلُ الشيعةِ، ج9، ص317، ح12111) وما قالَهُ صاحبُ “العُروةِ” في زكاةِ الفِطرةِ: «يجبُ إخراجُها بعدَ تحقُّقِ شرائطِها عن نفسِهِ وعن كلِّ مَن يَعولُهُ حينَ دخولِ ليلةِ الفطرِ» (العروةُ الوثقى معَ التعليقاتِ عليها، ج3، ص209) فزكاةُ فطرةِ مَن تجبُ على المكلِّفِ؟
ج ـ نرجعُ إلى اللغةِ إن لم تكنِ المصاديقُ لدى العُرفِ واضحةً، فإنَّ المرادَ من «مَن يَعولُ» هنا هو العيالُ العُرفيُّ الذي هو أعمُّ من العيالِ في اللغةِ، إذن لم يكنِ المرادُ هنا العيالَ اللغويَّ.
لقد ذُكِرتْ في الكتبِ الفقهيّةِ والأصوليّةِ المتقدِّمةِ على الشيخِ الأنصاريِّ هذهِ المسألةُ مفصَّلاً، أنَّهُ لو حصلَ التعارضُ بينَ العُرفِ واللغةِ أيُّهما يُقدَّمُ على الآخَرِ؟ فذهبوا إلى تقديمِ العُرفِ على اللغةِ وإن كانتِ اللغةُ كاشفةً عن العُرفِ، ونحنُ نعتبرُ عرفَنا عرفَ زمانِ المعصومِ (عليهِ السلامُ) اعتماداً على أصالةِ عدمِ النقلِ.
لقد وردَ في روايةٍ: «العيالُ: الولدُ والمملوكُ والزوجةُ وأمُّ الولدِ» (وسائلُ الشيعةِ، ج9، ص328، ح12141) والمقصودُ منهُ هو العيالُ الذينَ تجبُ نفقتُهم على المكلِّفِ، ولكنَّ «مَن يَعولُ» الواردَ في غيرِ هذهِ الروايةِ لم تنحصرْ بهذهِ المواردِ.
يجبُ أن نعرفَ أنَّ الفعليّةَ شرطٌ في جميعِ الألفاظِ، لقد وردَ في الروايةِ أنَّ زكاةَ فطرةِ «كلِّ مَن يَعولُ» تجبُ على الشخصِ ولم تقلْ زكاةُ مَن يجبُ عليهِ إعالتُهُ واجبةٌ عليهِ، فتجبُ عليهِ زكاةُ مَن ينفقُ عليهِ وإن لم يكن واجبَ النفقةِ عليهِ فيجبُ أن يدفعَ زكاةَ فطرتِهِ. كذلكَ تجبُ زكاةُ فطرةِ الضيفِ على صاحبِ البيتِ، علماً بأنَّ الضيفَ الذي حلَّ ضيفاً ليلةَ العيدِ في بيتِ المستضيفِ ويبيتُ عندَهُ لمدّةٍ من الزمنِ حتى وإن لم يأكلْ شيئاً في بيتِ المستضيفِ، فزكاةُ فطرتِهِ تجبُ على صاحبِ البيتِ. وفي صورةِ الشكِّ يكونُ الأمرُ دائراً بينَ الأقلِّ والأكثرِ فيُعملُ بالأقلِّ لأنَّهُ المتيقَّنُ منهُ. وما قلناهُ من أنَّ المنصرفَ عنهُ هو الضيفُ إذا حلَّ في بيتِ المستضيفِ وأكلَ الإفطارَ ثمَّ انصرفَ، إنَّما دليلُهُ هو الانصرافُ من الأدلّةِ الواردةِ في المقامِ وهذا الانصرافُ حاصلٌ من حاقِّ اللفظِ وليسَ منشؤُهُ كثرةَ الاستعمالِ.
وبالنسبةِ للضيفِ فقد وردَ دليلٌ خاصٌّ، روى عمرُ بنُ يزيدَ قالَ: «سألتُ أبا عبدِاللهِ (عليهِ السلامُ) عن الرَّجُلِ يكونُ عندَهُ الضيفُ من إخوانِهِ فيحضرُ يومُ الفطرِ، يؤدّي عنهُ الفِطرةَ؟ فقالَ: نعم، الفِطرةُ واجبةٌ على كلِّ مَن يَعولُ من ذكرٍ أو أنثى، صغيرٍ أو كبيرٍ، حُرٍّ أو مملوكٍ». (وسائلُ الشيعةِ، ج9، ص347، ح12140). فالنسبةُ بينَ الضيفِ ومَن يَعولُ هي العمومُ والخصوصُ من وجهٍ وموردُ اشتراكِهما هو الضيفُ الذي يَعولُهُ المستضيفُ وموردُ الافتراقِ هو الضيفُ الذي لا يَعولُهُ والعيالُ الذينَ ليسوا بضيوفٍ عندَهُ.
هذهِ المسألةُ محلُّ خلافٍ بينَ الفقهاءِ، فقد اشترطَ بعضُهم في صدقِ عنوانِ الضيفِ قصدَ الإقامةِ لعشرةِ أيّامٍ واشترطَ بعضٌ آخَرُ شهراً كاملاً وذهبَ غيرُهم إلى صدقِ العيلولةِ عليهِ تمامَ العِلّةِ، ولم يجعلوا ويعتبروا عنوانَ الضيفِ عنواناً مستقلاً ويظهرُ أنَّهما عنوانانِ، 1ـ مَن يَعولُ 2ـ الضيفُ. وفي هذهِ المسألةِ أوجبَ صاحبُ “العُروةِ” زكاةَ فطرةِ المحبوسِ على مَن حبسَهُ، وقالَ: «وغيرُهم حتى المحبوسِ عندهم ولو على وجهٍ محرَّمٍ» (العروةُ الوثقى والتعليقاتُ عليها، ج3، ص209). وبالنتيجةِ فإنَّ الملاكَ في مَن يَعولُ هو الإعالةُ، وتكونُ الإعالةُ في الضيفِ ملاكاً، لا أن يفطرَ عندَهُ ليلةً ويرحلَ.
