سُئل سماحة المرجع الديني السيّد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) في الجلسة التاسعة عشرة في 23 من شهر رمضان العظيم 1442 للهجرة:
– سئل: لماذا ذكر في الروايات عدّة ليال بعنوان ليلة القدر مع أنّ ليلة القدر ليست إلاّ ليلة واحدة؟
قال دام ظله: لا أدري دقيقاً لماذا لم يعيّنوا ليلة القدر.
في رواية أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله عرّف ليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين بعنوان ليلة القدر. فقال الراوي: ليلة القدر ليست إلاّ ليلة واحدة فلماذا لا تعينونها دقيقاً؟ قال صلى الله عليه وآله: «ما أَيْسَرَ لَيْلَتَيْنِ فِيما تَطْلُبُ». فقال الراوي له: يشتبه أول الشهر في بعض الأحيان ويختلف فيه، فقال صلى الله عليه وآله: «ما أيسر أربع ليال تطلبها». ولعلّ الأئمة عليهم السلام أرادوا أن يشتغل الناس بالعبادة أكثر من ليلة وبإحيائها ويتهيؤوا لها.
جاء في كتب التراجم والأحوال في ترجمة أحد أعاظم أنّه أحيا الليالي طول السنة كي يدرك ليلة القدر الحقيقية. وقال بعضهم: الليالي كلّها ليلة القدر لو عرفت قدرها، ولعلّه مأخوذ من مضمون بعض الروايات.
ولعل يستفاد من بعض الروايات أنّ وجه تعريف عدّة ليال بعنوان ليلة القدر هو اختلاف ومراحل ومراتب التقدير. فمثلاً حسب عدّة روايات، ليلة التاسع عشرة هي ليلة التقدير، وليلة إحدى وعشرين ليلة القضاء، وليلة الثلاث وعشرين ليلة الإبرام.
– سئل: يستفاد من مجموع هاتين الآيتين: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ» و«إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةِ الْقَدْرِ» أنّ ليلة القدر هي في شهر رمضان، فلماذا قيل: إنّ ليلة النصف من شهر شعبان تحتمل أن تكون ليلة القدر؟
أجاب دام ظله: يحتمل أن يكون ليلة النصف من شعبان مرتبة من مراتب ليلة القدر، ومع أن مقتضى جمع هاتين الآيتين أنّ ليلة القدر هي في شهر رمضان، لكن ليس له عقد السلب وإنما ليست في وقت آخر، فلو استفيد من روايات أخرى أنّ ليالي اخر ـ مثل ليلة نصف شعبان ـ أيضاً ليلة القدر، فلا ينافي ما جاء أنها في شهر رمضان، بل تكون إشارة إلى المراتب أو إلى موارد التقدير.
– طرح سؤال آخر حول ليلة القدر وهو: لماذا قال الصدوق رحمه الله: إحياء ليلة القدر بمذاكرة العلم أفضل؟ فهل ورد في ذلك رواية خاصّة؟
قال دام ظله: لم أر رواية خاصة في ذلك وبعيد أن يكون فيه رواية خاصة، ولم يشر الشيخ الصدوق أيضاً إلى الدليل، ولعلّه استفاد ذلك من العمومات، مضافاً إلى أنّ غالب الناس ليس لهم اطلاع كاف عن عقائدهم وأحكامهم الشرعية وحتى بعضهم لا يعلمون واجباتهم ومحرّماتهم المبتلى بها لهم.
مذاكرة العلم يعني بيان العقائد الدينية والأحكام الشرعية والأخلاق الإسلامية، وبيان الاحكام وإيصالها إلى الناس واجب كفائي وإذا لم يكن بمقدار الكفاية يكون واجباً عينياً.
لعل المرحوم الشيخ الصدوق لهذه الجهة قال: مذاكرة العلم أفضل.
لكن من جانب آخر، يوجد واجب عيني آخر وهي تزكية النفس وتحصيل التقوى. قال الله تعالى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ولم يقل: «ماشئتم» يعني اتقوا الله ما تقدرون وما تستطيعون، لا ما تشاوؤن وتريدون. بلى جاء في روايات الاحتياط: «أَخُوكَ دِينُكَ، فَاحْتَطْ لِدِينِكَ بِمَا شِئْتَ».
الخلاصة: تحصيل ملكة التقوى واجب عيني تعييني. وكل ما كان مقدّمة وجودية لذاك الواجب ـ تحصيل التقوى ـ فهو واجب، لأنّ مقدّمات الواجب المطلق الوجودية واجب. والعمل بمقدار من المستحبّات وقسم من الأدعية والزيارات والأذكار وقراءة القرآن ونحوها الذي هو مقدّمة وجودية للتقوى، يكون واجباً.
أما ما قلناه من أنّ كثيراً من الناس لا يعرفون أحكامهم أو لا يلتفتون إليها وبحاجة إلى الإرشاد والتعليم، فقد يتفق ذلك حتى في أهل العلم أيضاً.
قال أحد العلماء المعروفين لي: اشتريت يوماً سكّراً من السوق فذهبت به إلى المنزل. قالت الزوجة: لا حاجة لنا للسكّر بل نحتاج إلى سكّر صلب (حبّات السكّر). فذهبت إلى السوق وقلت لبياع السكّر، خذه وأعطيني مكانه حبّات السكّر، وغفلت عن أنّهما متجانسان وإذا يعاملان بالتفاضل يصير المعاملة ربوية وحراماً وكان واجبي أن أبيع السكّر له ويكون هو مديناً لقيمته فيعطيني بدل ثمن السكّر، حبّات السكّر الصلب، ولكني لم التفت إلى هذا الأمر.
