سُئل سماحة المرجع الديني السيّد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) في الجلسة الحادية والعشرون في 25 من شهر رمضان العظيم 1442 للهجرة :
عن رؤية الهلال بالتلسكوب، وهل هذه الرؤية معتبرة شرعاً أم لا؟
قال دام ظله: قال الفقهاء مكرّراً، ومنهم صاحب الجواهر، في عدّة مواضع: إنّ موضوعات الأحكام الشرعية منصرفة إلى المصاديق المتعارفة والمتوسطة، ولا تشمل المصاديق غير المتعارفة من جهة الإفراط والتفريط.
الرؤية التي وردت في الدليل هي موضوع حكم شرعي، وفي الرواية: «صوموا للرؤية وأفطروا للرؤية» (وسائل الشيعة ج 10 ص 253 ب 3 ح 5).
وفقاً لكلام الفقهاء، المقصود من الرؤية هي الرؤية المتعارفة، وأمّا الرؤية بالجهاز المكبّر، حتى لو يصدق عليها الرؤية ويشمل عليها دليلها، لكن من جهة أنّها ليست رؤيةً متعارفة فالإطلاق منصرف عنها.
حتى في الرؤية نفسها بعين غير مسلّحة لو كان أحداً بصره حديداً وثاقب النظر وكان رؤيته أكثر من المقدار المتعارف، فقال الفقهاء: رؤيته ليست حجّة حتى لنفسه، فليراجع هو الرؤية المتعارفة. وقد تعرّض الفقهاء لذلك في باب حدّ الترخّص ورؤية الجدران وسماع الأذان وحكم صلاة المسافر وصومه.
بل، لو قلنا باعتبار الرؤية بالعين المسلّحة مطلقاً، لأنّه يصدق عليه الرؤية، ففيه توالي فاسدة متعدّدة لا يمكن الالتزام بها.
منها: فلنلتزم بوجوب الإمساك بنصف ساعة قبل الفجر أقلاً، لأنّ الفجر يعني النور المعترض في الأفق، والأفق في الليل مظلم، والفجر الأول الذي يظهر بياضاً في الأفق يسمّى فجراً وهو يزداد شيئاً حتى تشرق الشمس. وهذا البياض يبصر بالعين العادية، مثلاً في الساعة الثالثة والنصف، ولكن لو ننظر بالجهاز فربما يمكن رؤية البياض قبل نصف ساعة، ولكن لم يقل أحداً بوجوب الإمساك بنصف ساعة قبله لو رأيتم البياض بالجهاز، لأنّ الآية تقول: (حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) وفيها إطلاق.
إذن، لو أكل أو شرب أحد قبل الأذان المتعارف بنصف ساعة يبطل صومه ويجب عليه القضاء، وأي فقيه يلتزم بهذا؟ مع أنّه هنا إطلاق أيضاً.
في حدّ الترخص أيضاً كذلك، جاء في الدليل إذا لم تسمع أذان مصرك أو لم تر جدران بلدك أو بيوتها فصلّ صلاتك قصراً وأفطر ولا تصم، والحال لو كان أحدأً نظره حادّاً وحديداً ويرى ـ مثلاً ـ إلى عشرة كيلو متراً، أو كان ذا اُذن دقيقة السمع ويسمع أكثر من الحدّ المتعارف، أو تكون بيوت المدينة ذات عشرة طوابق أو ذات عشرين طابقاً وترى من عدّة كيلو متراً، فهل هذه معتبرة؟ كلا، ويقول الفقهاء: المعتبر هو السمع المتعارف والبصر المتعارف والبيوت المتعارفة، وهي الملاك شرعاً.
كذلك قالوا في الشبر بتحديد الكرّ: الملاك هو شبر الشخص المتعارف والمتوسط، وإذا كان شخص شبره أكبر أو أصغر كثيراً فليس حجّةً حتى لنفسه.
كذلك في باب الوضوء جاء في الدليل: «ما دارت عليه الوسطى والإبهام» يعنى يجب غسل الوجه في الوضوء بمقدار ما دارت عليه الوسطى والإبهام. لكن لو كانت يد الشخص أكبر من المتعارف والمتوسط بحيث يبلغ إصبعاه وراء اُذنه، فهل يجب عليه أن يغسل جميع هذا المقدار في الوضوء؟ أو إذا كانت يده أصغر، فهل يجزي في الغسل أينما بلغ الإصبعان؟ أم يجب على هذين الشخصين أن يراجعا من لهم المتعارف؟
الخلاصة: لقد تسالم الفقهاء في موارد متختلفة من الفقه على هذه الكبرى أنّ الإطلاقات تنصرف إلى مصاديق متعارفة.
نقل المرحوم الوالد أنّه قيل للمرحوم الميرزا محمّد تقي الشيرازي: لو رأوا الهلال بالمنظار المكبر فهل هو معتبر؟ فأجاب: لو عيّنوا مكان الهلال بالمنظار المكبّر ثم رأوه بالعين المجرّدة (غير المسلّحة) فهو حجّة، وإلاّ فلا.
