المقدمة
دأب سماحة المرجع الديني السيّد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) بمناسبة شهر رمضان المبارك لعام 1447هـ على إقامة هذا البرنامج التبليغي السنوي كتقليدٍ رسالي يجسد التحام القيادة المرجعية بالقواعد الشعبية؛ فرغم أعبائه المرجعية الضخمة وانشغالاته العلمية، إلا أنه يصرُّ على ممارسة التبليغ بنفسه، إيماناً منه بأن مسؤولية الهداية لا تسقط عن عاتق العالم مهما علا شأنه، وحثاً للجميع على استثمار هذا الموسم لإنقاذ الأرواح وتنوير العقول.
المطلب الأول: الاستراتيجية المهدوية في مواجهة الأزمات
استهل سماحته بحديث الإمام المهدي (عليه السلام): «وَأَكْثِرُوا اَلدُّعَاءَ بِتَعْجِيلِ اَلْفَرَجِ فَإِنَّ ذَلِكَ فَرَجُكُمْ». المصدر: كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق.
بيان: الدعاء ليس مجرد استجداء للغيب، بل هو ممارسة لولاية المنتظرين التي تنعكس أثراً تكوينياً وتشريعياً بإنزال الفرج على الداعي نفسه أولاً.
وكذلك يمثل هذا النص “فلسفة الأمل النشط”؛ حيث يُخرج الإنسان من حالة الانكسار النفسي أمام الأزمات الكبرى إلى حالة الفاعلية، فالفرد الذي يدعو لفرج الكون، يستصغر حجم ضغوطه الشخصية، مما يحقق له توازناً سيكولوجياً وتماسكاً مجتمعياً.
المطلب الثاني: الورع الاجتماعي ومعايير التنافس القيمي
– استشهد سماحته بحديث النبي (صلى الله عليه وآله): «أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله عز وجل». المصدر: الأمالي للشيخ الصدوق.
– الحديث الثاني: «لَيْسَ مِنَّا وَ لاَ كَرَامَةَ مَنْ كَانَ فِي مِصْرٍ فِيهِ مِائَةٌ أَوْ يَزِيدُونَ وَ كَانَ فِي ذَلِكَ اَلْمِصْرِ أَحَدٌ أَوْرَعَ مِنْهُ». المصدر: الكافي للكليني.
بيان: الورع عند أهل البيت (عليهم السلام) ليس مجرد “ترك”، بل هو “ملكة نفسانية” تمنع الفرد من الاقتراب من المعاصي.
و الاستشهاد بحديث “الأورع في المصر” يرفع سقف التحدي الأخلاقي، فالمطلوب ليس مجرد الصلاح، بل التفوق الأخلاقي الذي يجعل المؤمن قدوةً لغيره.
ويمثل هذا الطرح “قمة الأخلاق الكمالية”، حيث لا يكتفي النظام القيمي بالحد الأدنى من السلوك، بل يدفع الفرد نحو “التميز الأخلاقي” لضمان رقي المجتمع
المطلب الثالث: ثقافة الاستيعاب والذكاء العاطفي الأسري
– الحديث الأول: «ما ذم رسول الله صلى الله عليه وآله طعاماً قط». المصدر: مكارم الأخلاق للطبرسي.
– الحديث الثاني: «اَلْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ بِشَهْوَةِ أَهْلِهِ وَ اَلْمُنَافِقُ يَأْكُلُ أَهْلُهُ بِشَهْوَتِهِ». المصدر: الكافي للكليني.
بيان: يسلط سماحته (دام ظله) الضوء على “فقه التعامل اليومي” و “فقه الأخلاق المنزلية”؛ فالاقتداء بالنبي (صلى الله عليه وآله) في ترك “ذم الطعام” هو أعلى مراتب التواضع والتحكم في النفس. وأنّ تقديم شهوة الأهل هو تجسيد لمفهوم “حسن العشرة” الذي هو واجب أخلاقي ومستحب مؤكد فقهياً.
ويمثل هذا “الذكاء العاطفي الأسري”؛ حيث تُبنى العلاقة على الإيثار بدلاً من الأنانية.
فالمؤمن يتنازل عن رغباته الشخصية لصالح إدخال السرور على عياله، وهو تطبيق عملي لسيادة المحبة على الأنانية.
المطلب الرابع: التحذير من الإسلام الصوري والتركيز على الجوهر
– الحديث الأول: «إِنَّ اَللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَی صُوَرِكُمْ وَ لاَ إِلَی أَمْوَالِكُمْ وَ لَكِنْ يَنْظُرُ إِلَی قُلُوبِكُمْ وَ أَعْمَالِكُمْ». المصدر: مستدرك الوسائل للميرزا النوري.
– الحديث الثاني: «سَيَأْتِي عَلَی اَلنَّاسِ زَمَانٌ لاَ يَبْقَی مِنَ اَلْقُرْآنِ إِلاَّ رَسْمُهُ وَمِنَ اَلْإِسْلاَمِ إِلاَّ اِسْمُهُ…». المصدر: الكافي للكليني.
بيان: التحذير المرجعي هنا من “إسلام القشور”؛ فالمعيار عند الله هو “القلب” كوعاء للإخلاص و”العمل” كمصداق خارجي. فالرواية تشير إلى أزمة الانفصال بين النظرية والتطبيق، وهو ما يستوجب يقظة المبلّغين.
ويعالج هذا الطرح “ظاهرة التدين الطقوسي” حيث تتحول العبادة إلى حركات مفرغة من المعنى والروح، مشدداً على أنّ قوة الأمة تكمن في قيمها الأخلاقية الباطنة لا في زخارفها الظاهرة.
المطلب الخامس: الوساطة الكونية والعلة الغائية للوجود
– الحديث الأول: «بِيُمْنِهِ رُزِقَ الْوَرَى وَ بِوُجُودِهِ ثَبَتَتِ الْأَرْضُ وَ السَّمَا». المصدر: دعاء العديلة (في مفاتيح الجنان، وكتاب الدعاء والزيارة).
– الحديث الثاني: «إني ما خلقت سماء مبنية… إلا في محبة هؤلاء الخمسة…». المصدر: حديث الكساء الشريف (عن جابر بن عبد الله الأنصاري).
بيان: يرسخ سماحته (دام ظله) “الولاية التكوينية” لأهل البيت (عليهم السلام)؛ فالعالم نظام من الفيض الإلهي يتوسطه المعصومين (عليهم السلام). وهذا الربط العقدي يجعل التبليغ منطلقاً من تعميق المعرفة بالإمام كأصل لكل نعمة.
وهذا يعطي للكون معنىً وغاية، ويربط الإنسان المتناهي بالكمال المطلق، مما يوفر طمأنينة وجودية في مواجهة العبثية والعدمية المعاصرة.
المطلب السادس: محورية النص ورفض القياس والتبليغ الواعي
– الحديث: مناظرة الإمام الكاظم (عليه السلام) مع محمد بن الحسن الشيباني في “تظليل المحرم”: «إِنَّ أَحْكَامَ اَللَّهِ يَا مُحَمَّدُ لاَ تُقَاسُ فَمَنْ قَاسَ بَعْضَهَا عَلَی بَعْضٍ فَقَدْ ضَلَّ عَنْ سَوَاءِ اَلسَّبِيلِ». المصدر: الإرشاد للشيخ المفيد.
بيان: استثمار هذه الواقعة لبيان تهافت المناهج غير المستندة لأهل البيت (عليهم السلام)، ووجوب تعلم المسائل الدينية والتبليغ لها (الأمر بالمعروف) كواجب لا يسقط بالجهل سيما التي يحتاج إليها المكلف.
المطلب السابع: معرفة سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)
دعا سماحته لقراءة الكتب التي تحدثت عن تاريخ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كبحار الأنوار للعلامة المجلسي، وكحل البصر في سيرة سيد البشر، ومنتهى الآمال للشيخ عباس القمي.
واعتبر سماحته أنّ “الورع” ثمرة للمعرفة بالسيرة؛ فقراءة سيرة المعصوم (عليه السلام) بتمعن تُوَلِد طاقة انفعالية تدفع الفرد للاقتداء السلوكي به.
الخلاصة
يعد خطاب سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) لعام 1447هـ وثيقة “إصلاح قيمي شامل”، تدمج بين البناء العقدي الرصين والورع السلوكي المتميز والمسؤولية التبليغية الواعية. فالخطاب يختزل الغاية من شهر رمضان في “صناعة الإنسان الرسالي” الذي يتمسك بنهج أهل البيت (عليهم السلام) سيرةً وعملاً، ممهداً بذلك لظهور صاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف وأرواحنا فداه).




