آل الشيرازي وتاريخ المرجعية العظمى
بقلم: عبد الحسين الصالحي
من أعرق الأسر العلمية العلوية في شيراز وكربلاء والنجف وسامراء، وأشهرها في الملأ الشيعي، حيث نبغ منها جمهور كبير من أعلام الفكر وفرسان البيان وزعماء الدين وأبطال الجهاد، وكانوا من حملة لواء العلم ودعائم المذهب والمرجعية العظمى خلفًا عن سلف، أبًا عن جد، وكان لهم دور حساس في العالم الإسلامي والمجامع العلمية العالية والنوادي الأدبية لأكثر من قرنين، وإن آثارهم ومآثرهم غُرّة ناصعة في جبين الدهر تتلألأ ما دامت الحياة.
عرفت هذه الأسرة العلوية الجليلة في شيراز في مطلع القرن الثالث عشر الهجري، وأول من هاجر من هذه الطائفة من شيراز إلى العراق قاصدًا الحوزة العلمية الكبرى في العتبات المقدسة هو السيد محمد حسن المعروف بالمجدد الشيرازي، وذلك في عام 1259هـ، وسكن كربلاء المقدسة ثم انتقل إلى النجف الأشرف، ومنها استقر في سامراء.
وبزغ بدر هذه الأسرة الجليلة في أفق العراق على عهده، وهو باني كيان هذا البيت ورائد نهضته العلمية الأولى، وانتشر صيت هذه الأسرة في عصره، وعم فخرها وطبقت شهرتها الآفاق، وقد خدم رجالها الأفذاذ المذهب الجعفري من القرن الثالث عشر الهجري حتى يومنا هذا. وكان رجالها عنوانًا للعلم والفضيلة والزهد والعبادة، فكانت زعامتهم ربانية، حيث حكمت أقلامهم على أسياف الملوك وتيجان السلاطين.
تنحدر هذه الأسرة الكريمة من ذرية السيد محمود بن السيد إسماعيل بن السيد فتح الله الحسيني الشيرازي أحد أعلام القرن الثالث عشر الهجري، وينتهي نسبه الشريف إلى زيد الشهيد بن الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع). وقد أنجبت فروع هذا البيت الثلاثة في كربلاء المقدسة والنجف الأشرف وسامراء عددًا من أعاظم العلماء وفحول فقهاء الإمامية وأكابر المجتهدين، فصل تراجمهم أرباب السير وكتب التراجم ومعالم الرجال.
وها نحن نبدأ بإيجاز بذكر جملةٍ من أقطاب الفكر وأساطين العلم وزعماء الأمة ومراجع التقليد والفتوى الذين نبغوا من هذه الأسرة الكريمة.
السيد حبيب الله بن السيد آغابزرك بن السيد محمود بن السيد إسماعيل بن السيد فتح الله بن عابد بن لطف الله بن محمد مؤمن الحسيني الشيرازي
من أعلام كربلاء المقدسة، وهو أبو أسرة آل الشيرازي في الحائر الشريف، وأول من سكنها مع والده السيد الميرزا آغابزرك. كانت داره في محلة المخيم بزقاق مائية (ويقال: زقاق معاوية) قريبًا من باب القبلة في الروضة الحسينية، ولا تزال في ملكية أحفاده إلى اليوم.
صاهر زعيم الثورة العراقية الكبرى الشيخ الميرزا محمد تقي الشيرازي على أخته العالمة الفاضلة رضية خانم بنت الشيخ الميرزا محبّ علي الشيرازي الحائري، فرُزق منها المرجع الديني الأعلى السيد الميرزا مهدي الشيرازي الآتي ذكره.
السيد الميرزا مهدي بن السيد الميرزا حبيب الله الحسيني الشيرازي الحائري (1304–1380هـ)
ولد في كربلاء المقدسة سنة 1304هـ، وتوفي بها في شعبان سنة 1380هـ. من أئمة الفتوى والتقليد وأكابر مراجع الشيعة في عصره، ومن أساتذة الفقه والأصول وزعيم الحوزة العلمية في الحائر الشريف.
أخذ علوم العربية وفنون الأدب حتى مراحل السطوح العالية على جملة من أفاضل كربلاء، وتخرج في الفقه والأصول على يد زعيم الثورة العراقية الكبرى الميرزا محمد تقي الشيرازي (توفي سنة 1338هـ)، ثم واصل دراسته في النجف الأشرف على يد كبار العلماء:
الشيخ محمد كاظم الخراساني صاحب كفاية الأصول،
السيد محمد كاظم اليزدي صاحب العروة الوثقى،
الشيخ آغا رضا الهمداني،
الميرزا محمد حسين النائيني،
الشيخ آغا ضياء العراقي.
حاز درجة رفيعة في الفضل والاجتهاد، ثم رجع إلى كربلاء وتصدر للتدريس والفتيا والإمامة. وبعد وفاة السيد حسين القمي الطباطبائي الحائري سنة 1366هـ انتهت إليه المرجعية العامة، وعُرف بالزهد والورع والرزانة والهيبة، وكان يتجنب مظاهر الرئاسة، زاهدًا عابدًا متورعًا، أديبًا ينظم الشعر بالعربية والفارسية.
من مؤلفاته:
أجوبة المسائل الاستدلالية، بداية الأحكام، الدعوات المجربة، رسالة في التجويد، رسالة في الجفر، رسالة في فقه الرضا، رسالة في المباحث الأصولية، الكشكول في مختلف العلوم، هدية المستعين في الصلوات المندوبة، وله كتب مطبوعة منها شرح العروة الوثقى، ذخيرة الصلحاء، ذخيرة العباد.
توفي في شعبان سنة 1380هـ، ودُفن في ديوان آل الشيرازي شرق الصحن الحسيني الشريف، وقبره مزار معروف.
وخلفه في المرجعية نجله الأكبر السيد محمد، وله من الذكور أيضًا السيد الشهيد حسن الشيرازي (استشهد سنة 1400هـ، مؤسس الحوزة العلمية الزينبية في دمشق)، والسيد صادق الشيرازي الذي خلف شقيقه السيد محمد في المرجعية، والسيد مجتبى زعيم الشيعة في لندن.
آية الله العظمى السيد صادق بن السيد الميرزا مهدي الحسيني الشيرازي (ولد 20 ذي الحجة 1360هـ – كربلاء المقدسة)
من كبار مراجع التقليد وأئمة الفتوى في العصر الحاضر، ومن كبار أساتذة الفقه والأصول في الحوزة العلمية بقم المقدسة.
ولد في كربلاء في بيت علم ومرجعية، وأخذ المقدمات وفنون الأدب على أفاضل علماء الحائر الشريف، ثم أكمل السطوح على:
الشيخ جعفر الرشتي،
الشيخ محمد حسين المازندراني،
الشيخ محمد الكلباسي.
تفقه على والده المرجع الكبير السيد الميرزا مهدي الشيرازي، وعلى شقيقه الإمام السيد محمد الشيرازي، كما درس الأصول والكلام على السيد محمد هادي الميلاني، والشيخ يوسف الخراساني، والشيخ محمد رضا الأصفهاني، حتى بلغ درجة عظيمة في الفقه والأصول، ونال مرتبة سامية في الاجتهاد.
ثم تصدى للتدريس في كربلاء المقدسة، وهاجر سنة 1391هـ إلى الكويت، ثم استقر في قم المقدسة، حيث أصبح من أكابر المدرّسين فيها، وله حوزة علمية عامرة بالفضلاء من مختلف المستويات، تخرّج منها جمع غفير من العلماء والخطباء والمؤلفين.
وبعد وفاة شقيقه الإمام السيد محمد الشيرازي في 2 شوال سنة 1422هـ تحمّل أعباء المرجعية العامة، وهو اليوم أحد مراجع الإمامية الكبار. عُرف بالزهد والورع والعبادة، وبعلوّ الهمة والابتعاد عن زخارف الحياة ومظاهر الدنيا، وقد شهد أخوه الإمام الراحل على مرجعيته برسالة هذا نصها:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.
وبعد، فإن جناب آية الله الحاج السيد صادق الشيرازي (دامت تأييداته) بما لمستُ منه من بلوغ مرتبة راقية في الاجتهاد ومقام سامٍ في التقوى والعدالة، وجدته أهلاً للفتيا والتقليد، والتصدي لما هو شأن الفقيه العادل، فيجوز تقليده والرجوع إليه في كل ما يشترط فيه من إذن المرجع العادل، وإني أوصيه بمزيد التقوى والاحتياط الذي هو سبيل النجاة في عامة الأحوال، كما أوصي إخواني المؤمنين بالالتفاف حوله والاستفادة منه في شتى المجالات، والله ولي التوفيق والتسديد، وهو المستعان.
محمد الشيرازي
الختم الشريف
وله مؤلفات نافعة متداولة بين الفضلاء، منها:
شرح العروة الوثقى
توضيح شرائع الإسلام (أربعة مجلدات، لقي استقبالًا واسعًا في الحوزات العلمية)
شرح تبصرة المتعلمين (مجلدان)
شرح السيوطي (مجلدان، طبع عدة مرات)
السياسة من واقع الإسلام
وغيرها من المؤلفات في الفقه والفكر والاجتماع والسياسة.
مقال نشر في مجلة النبأ العدد 69 – ذي القعدة 1423 للهجرة / كانون الثاني 2003 للميلاد.
