تعدّ الخطابات السنوية للمرجع الديني الكبير آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) في استقبال شهر رمضان المبارك تظاهرة علمية وتوجيهية تترقبها الحوزات العلمية والمبلغون في شتى أنحاء العالم. يمثل هذا الخطاب “خارطة طريق” إيمانية واجتماعية، تتجاوز الجانب الوعظي التقليدي لتصل إلى عمق الاستنباط الفقهي والتربوي.
فيما يلي استعراض لأهمية هذا الخطاب ومحاوره الجوهرية:
أولاً: أهمية الخطاب ومكانته
تكمن أهمية خطاب السيد المرجع (دام ظله) في توقيته ومحتواه؛ فهو يأتي قبيل انطلاق أكبر موسم عبادي وتبليغي، حيث يضع النقاط على الحروف فيما يخص مسؤوليات الفرد والأمة. الميزة الكبرى لهذا الخطاب هي “الواقعية والشمولية”، فهو لا يكتفي بالتنظير، بل يشخّص الأزمات ويقدم الحلول المستمدة من سيرة أهل البيت (عليهم السلام).
ثانياً: النقاط الجوهرية المتكررة (الثوابت المرجعية)
يُلاحظ المتابع لخطابات سماحته وجود محاور استراتيجية يحرص على ترسيخها سنوياً، وهي:
- المسؤولية تجاه الأيتام والفقراء: يشدد سماحته على أنّ الصوم ليس مجرد إمساك عن الطعام، بل هو شعور بآلام المحرومين، ويدعو دائماً لتأسيس لجان وتكثيف الجهود لإغاثة المعوزين.
- أهمية التبليغ الديني: يركز على ضرورة وصول صوت الإسلام الحق إلى أقصى نقاط العالم، مستخدماً لغة العصر والوسائل الحديثة.
- الأخلاق والحلم: يكرر دائماً قاعدة “العفو والصفح”، داعياً المؤمنين لتطهير القلوب قبل الدخول في ضيافة الله.
ثالثاً: ميزات المرجع الشيرازي في هذه الفعالية
يتميز سماحة السيد المرجع (دام ظله) في خطابه بخصائص تجعله فريداً، منها:
- الاستناد التاريخي: قدرة فائقة على استحضار قصص من سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) والإمام علي (عليه السلام) في إدارة الدولة والأمة، وكيفية تعاملهما مع الخصوم والفقراء.
- النبرة الأبوية: يبتعد الخطاب عن الجمود، ويطغى عليه طابع الحرص الأبوي على مصير الشباب والعوائل.
- تفعيل دور الجماهير: لا يخاطب النخبة فقط، بل يوجه خطاباً مباشراً لكل فرد، محملاً إياه جزءاً من المسؤولية الشرعية تجاه مجتمعه.
رابعاً: محاور وفوائد مستنبطة من توجيهاته
من خلال تتبع المنهج العلمي لسماحته، يمكن استنباط المحاور التالية:
- محور “بناء الذات” (الجهاد الأكبر): يستنبط سماحته من النصوص أن شهر رمضان هو فرصة “التغيير الجذري”. الفائدة هنا هي أنّ الصيام وسيلة لتقوية الإرادة ضد الشهوات، وليس غاية بحد ذاته.
- محور “الإعلام العالمي”: يرى المرجع الشيرازي (دام ظله) أن التقصير في إيصال فكر أهل البيت (عليهم السلام) للعالم هو سبب الكثير من المآسي. الاستنباط هنا هو “وجوب الكفاية” في العمل الإعلامي المؤسسي الذي يواجه التضليل.
- محور “التكافل الاجتماعي” كضرورة شرعية: يربط سماحته بين قبول الصلاة والصيام وبين قضاء حوائج الناس. الفائدة المستخلصة هي أنّ العبادة الفردية منقوصة ما لم تكن مشفوعة برعاية الأيتام وتسهيل زواج الشباب.
- محور “الحرية والكرامة”: غالباً ما يستشهد سماحته بعهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر، ليؤكد أنّ الإسلام هو دين الحريات المنضبطة والعدالة الاجتماعية، مما يفتح آفاقاً للباحثين لربط الدين بحقوق الإنسان.
الخلاصة
إنّ خطاب السيد المرجع الشيرازي (دام ظله) هو دعوة للعودة إلى “جوهر الإسلام الغائب”، حيث يركز على الرحمة، العلم، والعمل. إنّه يدفع المؤمنين ليكونوا عناصر فاعلة في مجتمعاتهم، محولاً الصيام من حالة سكونية إلى حركة إصلاحية شاملة تبدأ من النفس وتنتهي ببناء الحضارة.

