قال سماحة المرجع الديني السيّد صادق الشيرازي (دام ظله): كان الإمام أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) یدیر قرابة خمس سنوات أكبر حكومة اسلامیة على وجه الأرض آنذاك، وكان بیده بيت مال المسلمین يصرف منه لقضاء حاجات المؤمنين والمسلمین وحتى غير المسلمين ممن كانوا يعيشون تحت ظل حکومة الإسلام وفي دار الإسلام. وکان الإمام آنذاك یساعد المحتاج ویقوم بتزویج المعوز ویؤمن نفقات المسافر ویجهّز المیّت المحتاج بالکفن والمریض بالدواء، ویوفّر الحاجات الضروریة الأخرى لمن یحتاجونها ولا مال لهم لشراءها، فإذا وفّر الحاجات وبقي من بيت مال المسلمین شيء كان (صلوات الله عليه) يوزّعه على الجميع بالسويّة. وکان علیه السلام یعطي کلّ واحد حسب حاجته، فیعطي لشخص ألف ولآخر مئة ولثالث عشرة، فالمهم أن تقضی حوائجهم حسب المقدار الذي یحتاجونه.
ورد في الحديث الشریف إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات مرّة وزّع مال الإبل فأعطى شخص مئة من دینار وأعطى آخر عشرين وثالث عشرة دنانیر، کلّ حسب حاجته ومکانته الاجتماعية، وعندما انتهی من قضاء حوائجهم وزّع باقية المال بالسوية.
انظروا رئيس أكبر حكومة على وجه الأرض وهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (صلوات الله عليه)، يأخذ ثلاث دنانير لنفسه ویعطي ثلاث دنانير لخادمه قنبر. وهذا هو العدل الذي يأمر الله تعالى به: {إنّ الله يأمر بالعدل}، فهذا العدل یجري في كل المجالات وعلی کافّة المستویات. وبهذا العدل وبعد قضاء کافّة الحاجات لا یکون فرق في توزیع المال بين رئيس الحكومة وخادمه، ولا بین الأب وابنه. فالتوزیع یکون بالتساوي، لا أن یعطی الأب أکثر من ابنه کونه أب. بلى یجب احترام الأب، ولا يعني الاحترام أخذ مال أکثر من غیره. وهكذا رئيس الحكومة یجب أن یحترم ویطاع، ولکن ذلك لا یعني أن يلبس أفضل من خادمه. فلماذا التمييز؟ هل لأنّ فلان علمه أکثر؟ إنّ علمه لنفسه، وفضله لنفسه ومکانته لنفسه، ولذا ورد في زيارة الإمام أمير المؤمنين (صلوات الله عليه): ((القاسم بالسويّة)). فالقاسم بالسویة لا یخالف العدل، لأنّ المال یُقسّم بعد قضاء الحوائج کلّ حسب حاجته.
لو يعرض على کلّ العقلاء وکلّ الأدیان وکلّ المذاهب ذلك العدل لقبلت به ولرأته أمراً لازماً لا محیص عنه. بینما المظالم والمشاکل التي تحدث في المجتمع هي نتیجة التمییز وترك العدل الذي أمر الله به وعدم العمل بهذه الآیة الکریمة: {إنّ الله يأمر بالعدل}. فاذا تخلّینا عن العمل بالعدل حلّ بنا الظلم والفقر والمشاکل المختلفة التي نراها ونعيشها إلىوم في مختلف جوانب حیاتنا. ونحن وبكل جدّ، ومن منطلق العقل والإنسانية والفضيلة، نقول إنّ أنجح حاكم في التاريخ الذي قام بالعدل هو رسول الله (صلی الله علیه وآله) ویلیه الإمام أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)، فلو تصفّحنا تاريخهما وتاريخ حكومتيهما وقمنا بمقایستها مع بقیة الحکومات علی مرّ التأریخ لظهر لنا حقیقة ذلك أكثر وأکثر، فقد كانا أفضل حاکمین علی وجه التأریخ.
العدالة التوزيعية والشرعية الأخلاقية في الفكر العلوي
(رؤية تحليلية في ضوء أطروحات المرجع الشيرازي دام ظله)
- توفير الحريات وحقوق الإنسان
يشدد سماحة المرجع الشيرازي على أن حكومة الإمام علي (عليه السلام) لم تكن مجرد إدارة إقليمية، بل كانت نموذجاً عالمياً. ويرى سماحته أن ميزة هذه الحكومة هي “توفير الحريات في ظل العدالة”، حيث يشير في أطروحاته إلى أنّ قوة الدولة لم تكن بالبطش، بل بضمان حقوق الإنسان والمواطنة لجميع القاطنين في “دار الإسلام”. - قضاء الحاجات للمواطن أولاً
في هذا السياق، يطرح المرجع الشيرازي (دام ظله) رؤية اقتصادية تقوم على “كفاية الفرد”. فيذكر (تزويج المعوز، وتأمين الدواء، وتجهيز الموتى) يراه سماحته واجباً أولياً على الدولة قبل أي إنفاق آخر. - إضافة إلى أنّ: “مال بيت المال هو حق للفقراء والمحرومين أولاً، والحاكم هو أمين على التوزيع لا مالك للمال”.
- العدالة في توزيع الثروات (القاسم بالسوية)
يؤكد سماحة المرجع أن مبدأ “المساواة” الذي طبقه الإمام علي (عليه السلام) هو الحل الوحيد للقضاء على “الديكتاتورية المالية”.
- يرى سماحته أن مساواة الإمام لنفسه بقنبر هي رسالة سياسية لإلغاء “الطبقية المقيتة”.
- هذه الممارسة تسمى بـ “تساوي الفرص والحقوق”، حيث لا ميزة لعرق أو انتماء حزبي أو مكانة اجتماعية في حصة المواطن من ثروات بلده.
- العدل كطريق للأمن الاجتماعي
يستشهد سماحته دائماً بالآية الكريمة: {إنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ}، ويربط بين ترك العدل وحلول الفقر والمشاكل.
- يرى سماحته أنّ الأزمات المعاصرة في العالم الإسلامي، من فقر وبطالة وظلم، هي نتيجة حتمية للابتعاد عن “العدل العلوي”. وإنّ أنجح حاكم في التاريخ هو من استطاع إلغاء الفوارق بين الحاكم والمحكوم تماماً في مستوى العيش وهو أمير المؤمنين (عليه السلام) وقبله رسول الله (صلى الله عليه وآله).
